مقالات عن الشاعر نديم محمد
***********************
أقام المركز الثقافي العربي بادلب محاضرة بعنوان (( رحلة في شعر نديم محمد في ذكرى وفاته ))
والتي تطرق من خلالها المحاضر يوسف مصطفى إلى العديد من القضايا المضيئة في حياة الشاعر الذي يعتبر واحداً من رواد القصيدة الكلاسيكية والذين أ ضفوا على هذا النوع من القصائد جماليات كثيرة تتركز في اللغة الإبداعية التي كانوا يعتمدون عليها .
نديم محمد واحد من الشعراء الذين خرجوا من عباءة بدوي الجبل وانتهجوا نهجه في صياغة الشعر العمودي .
نديم محمد ليس عالماً شعرياً واحداً .. إنه عوالم من الشعر ونهر غزير متدفق .. فهو الإنسان الحالم ، القلق ، المتمرد ، المحب العذري والماديّ ، المتألم المنكسر الناهض ، الشاعر الخمريّ القومي ّ والوطني ّ أيضا ، وهو شاعر الهجاء – الروميّ في هجائه ويزيد – أما شعره الرومانسي فهو مدرسة كاملة تحمل كل خصائص هذه النزعة وآفاقها .
في رحلتنا معه اليوم في ذكرى الرحيل ، نقف عند بعض جماليات النصّ الوصفي لديه ..
يقول في النشيد السادس عشر من ديوان : ( آلام )
حلم العيش مفردا في أعالي الريف الآمن قصبة وسمير
يملا الفجر عب عيني فما تغسل إلا في دفقه من نور
وأنفي في شرفة الصبح أصداء فؤادي .. بنغمة العصفور
وأكش الندى المعا بث في العشب لاحمي منه ابتلال الحصير
وغدير غاف على قدم السفح إلى الآن .. بانتظار الهجير
والعصافير لها مغرب النور لتشدو له بلحن أخير
وتشف الغيوم عن حمرة الشمس وتعلوا أغنية الشحرور
فاشد الخطأ إلى عالم الكوخ ودن في صدره مقبور
هذا النص هو أبيات من قصيدة طويلة في وصف الريف .. كما يحلم به ويراه .
اختار الشاعر من الريف مرتفعه – أعالي الريف ( حلم العيش مفرداً في أعالي الريف ) وهذا الاختيار للمرتفع ، اختيار فني صحيح .. يفتح أمام الشاعر أفقاً طبيعياً واسعاً من الإطلالة ، ومساحة الرؤيا بكل مفردات ، ومكونات الريف ، وما يليه من مدى وأفاق ، وبالتالي يغني المشهد الريفي ويتنوع في باصرة الشاعر وبصيرته ، ومستوى تأمله واندماجه مع الطبيعة ومكوناتها .
نديم محمد ليس عالماً شعرياً واحداً .. بل هو عوالم من الشعر ، إنه نهر غزير متدفق .
أنتقل إلى العنوان الذي اخترنه لهذه المقالة وهو ( جدلية الألم والإباء ) في شعر نديم محمد وهذا عنوان فرعي أريد مقاربته ، وتسليط الضوء على جمالية بناء النص الشعري ، والبيت الواحد المتوازن والمتوزع بين هذين المعنيين والدلالتين ( الألم والإباء ) تم كيف تبدو الجدلية قائمة في شعر نديم محمد ( الروما نسي ) وهو الغالب في ديوان ( آلام) الذي يرقى إبداعيا إلى مرتبة العالمية وبكل مستوياتها الجمالية والفنية الإبداعية .
يقول في النشيد الثامن من ديوان ( آلام )
أخذتني عيني .. فأبصرت أطلالا وأسمعت بينها .. كالعناء
فتلفت في الطبيعة القاه غريبا مزملا برداء
شاعر يشهد السكينه في الليل على بؤس روحه العذراء
انكرته حتى مناه .. فلو ألوى عليها .. لاجفلت .. للوراء
في المشهد العام لهذا المطلع القصيدي .. يلاحظ المناخ الرومانسي العام : الأطلال .. الغناء .. الوحدة .. الطبيعة .. الغربة .. وهى غربه نفس الشاعر عن مجتمعها والتي يحس بها الرومانسيون دائما .. ثم البؤس ، وعذرية الروح وصفاءها .. تنكر الجميع له حتى ( أمانيه الشخصية ) هي هاربة منه ، ومجفلة عندما يقترب إليها .. وفي تقديري عندما تهرب الأماني وهي : ( الخيالات والأحلام ) وينكسر الإحساس بالأمل .. عندها تغلق دائرة الحزن ، وتزيد المساحة التراجيدية ، ويزداد ضغط الداخل النفسي ، والانكسار الوحداني لدى الشاعر بإيقاع ألمي مختلف ، ومأزق تنقطع المعابر للخروج منه .
تعددت مصادر الخمرة عند العرب فصنعت من العنب والتمر والتفاح والمشمش والزبيب والشعير والذرة والعسل وغير ذلك .
ونالت في الشعر الجاهلي وما تلاه ، نصيبا واغراً من شعر تلك العصور ، حتى إن الأعشى كان له معصرة للخمر في قرية
( أثافت ) اليمنية وهى إحدى قرى ريف صنعاء وفيها يقول :
أحب أثافت وقت القطاف ووقت عصارة أغرابها
وباعة الخمر في الجاهلية موجودون ومعظمهم من التجار اليهود وغيرهم يقول المرقش الأصغر :
سباها رجال من يهود تباعدوا يجيلان يدنيها إلى السوق مريح
وهذا إشارة إلى الأماكن التي كانت تنصب الألوية عليها ، ليغرون الشراب بما كانوا يجلبونه من طيب خمور الشام والعراق .
لا نريد الإطالة في هذه المقدمة الخمرية ، لكنه سياق أردناه لنصل إلى شاعرنا الكبير الراحل نديم محمد ، ابن هذا الساحل السوري ، واحد عبقرياته الشعرية التي قد لا تتكرر ، ولا أبالغ انه احد إعلام الكلاسيكية الحديثة ، في الشعر العربي المعاصر حيث امتلك الكثير من غزارة الإنتاج وروعة الإبداع ، ورهافة الحس ، وحسن اختيار المفردة ، وجمال صياغة الجملة الشعرية ، وهذه قضايا فنية ونقدية تحتاج الوقوف والتاني والدراسة على ضوء المناهج النقدية والمعرفية ، وأتمنى أن نوفق في تقديم ملا مح من ذلك ، فنديم لم يدرس بعد ، وما كتب حتى الآن هو قليل وغير متقارب لجوهر إبداعه الشعري .
بعض تجليات الحضور الأنثوي في شعر نديم محمد
يقول في النشيد التاسع من ديوان /الآم /متحدثاً عن /الخاطبة / التي جاءت لتطلب فتاة رائعة وتتحرى جمالها ..ولعل هذه الفتاة هي من كان يحبها ولها ايقاعها في نفسه ,وربما هناك تجربة بينها لها خصوصيتها ولكن لم يحصل النصيب كما يقال ولا زالت أثار التجربة تتفاعل في داخله ..تبدأ القصيدة :
وعلى العين صورة لم تزل تسكر قلبي ..كأنها من حميا
جدة خاطب ..أراحت على اللقية ..وجهاً مستبشراً مرضيا
تنحني فوقها ..بعيني حداة الماء ..تستكشف الجمال الحييا
وتدس اليد الرشيقة ..في الصدر ..فتنساب ..أفعواناً خفياً
بهذا المطلع الرائع يبدأ نديم محمد نشيده التاسع عشر .. يستحضر صورة /الخاطبة / في عينيه ,وما أشاعه قدومها للمنزل من بشرٍ ورضا على وجه الفتاة المرداة .. قد توصف حذاقة الخاطبة في تحري السلامة الجسدية للفتاة :بالدقة,والحساسية والشمولية المعرفية بخفايا ونقاط ضعف الجسم الأنثوي ..لكن لا يخطر لأحدٍ مهما حلق خياله أن يصف هذه الخاطبة وعينيها بأنهما عينا /الحدأة/ الطائر الجارح المعروف ,والذي يرى هدفه من ارتفاعات عالية ..بهذه الرمزية ,بهذا التجديد الملفت ,بهذه الطرفة الرائعة بدأ نديم محمد رحلته الأنثوية .
فنية المشهد التراجيدي في شعر الشاعر الكبير الراحل نديم محمد
لا شك أن ديوان "آلام" للشاعر نديم محمد ,يشكل في تقديري ,وتقدير كل الدارسين الذين اطلعوا على تفاصيل الديوان وبناه الشعرية ,يشكل معلماً شعرياً بارزاً في شعرنا العربي المعاصر ,يأتي ذلك عبر البناء الفني المتقدم لقصائد الديوان ,والتي بلغت تسعة وسبعين قصيدة سماها الشاعر أناشيد ,والنشيد هنا يعطيها البعد الملحمي ,وتعدد الأغراض في القصيدة الواحدة .ولكن تلف القصائد جميعاً هواجس الشاعر ومعاناته ,تطلعاته وأحلامه وانكساراته ,وتحمل القصائد بعداً وجدانياً وشفافية وتجربة اجتماعية ,عاشها الشاعر وعكسها في شعره ,تتعلق بالحياة والحب والصداقة ,والمواقف والصراحة وغير ذلك .
نعرض في مقالنا هذا ,بعضاً من مساحة المعاناة ,والمشهد الألمي الإنكساري الذي رسمه الشاعر في قصائده جمالاً ملفتاً ,وبعداً تجديداً على صعيد مجمل نص القصيدة (الكلاسيكية الحديثة)التي هو أحد أعمدتها .
يقول الشاعر نديم محمد في النشيد الثامن من ديوان آلام :
فتلفت في الطبيعة ألقاه غريباً مزملاً برداء
شاعر يشهد السكينة في الليل على بؤس روحه العذراء
أنكرته حتى مناه فلو ألوى عليها لأجفلت للوراء
في دوامي خطاه لفح المروءات وفي شهقه صدى الكبرياء
أوجعيه يا رأفة الأهل وارميه بسهم يا غيرة الأصدقاء
جف تشهاقه على شفة الفجر وماتت زفراته في الهواء
فطوى هٌلك ساعديه كمن يغفو على الصدر خدعة للرائي
يتضمن هذا المشهد التراجيدي حال الشاعر ومعاناته :فهو غريب في محيطه وعوالمه ,يتأمل سكينة الليل ,..في رحلة أرادها رومانسية , لكنها تحمل داخلاً بؤساً تعيشه روحه , والمعاناة الروحية بالدلالة أصعب من المعاناة الجسدية لأنها مرتبطة بعمق الإحساس الداخلي , لقد وصل بؤسه درجة هجران أمانيه الشخصية له.
هذه بعض آلام نديم محمد ,دنيا من المعاناة ,تجربة شعرية غنية الإبداع ,لها فضاؤها الشاعري الثري ,وجملها الغنية ,وآفاقها الغنية وأبعادها الفنية الوصفية .
فنية بناء الصورة الرمزية ..في شعر نديم محمد
يقول نديم محمد في بعض تداعياته الحزينة الأليمة /النشيد الأول من ديوان آلام :
اتركوني لليل ..للخمر..للدمع لشهق مر ...وموت زؤام
أنا طيف الشقاء .. يرجمني الكون بلحظ البغضاء..والانتقام
أنا مشروع صورة ..خطها المبدع .. بين الأقدام والإحجام
عندما يقول نديم محمد أنا طيف الشقاء والطيف عموماً هو المساحة الأكبر الصادرة عن أصل الشيء ..فمثلاً أطياف الشمس أكثر انتشاراً , وأكثر ألواناً من مساحة كتلة اللهب الأصلية ..فإذا كان الشقاء هو مٌركزُ بمساحة معينة فإن طيف الشقاء هو الانتشار الأوسع ,والأشد تأثيراً في الألم والمعاناة .. هذه المشهدية لامتداد الشقاء هو ما عناه الشاعر بصورته الرمزية / طيف الشقاء/ حيث لم يقل أنا الشقاء ..يل قال : ما هو أبعد فضاءً ودلالةً وهو أنا طيف الشقاء .هذه الرمزية التعبيرية أغنت صورة المعاناة عند الشاعر ,وأفرزت ملمساً دلالياً يحمل فنية ً ,وتفريغاً خاصاً,وإشباعاً نفسياً في مستوى التعبير الذي أراده الشاعر.
وفي صورة أخرى يقول نديم محمد في بعض غزلياته : النشيد السابع من آلام:
إنما العيش أن يقيك أذى الحر جناحي ..والبرد حر جراحي
فتعالى نهرب على زورق الفجر تعالى ..قبل اشتهار الصباح
يدعو الشاعر محبو بته للهروب على زورق الفجر ..هذا التعبير الرمزي كم يحمل من غنى دلالي فالزورق هو رديف البحر ,وما يفتحه من عوالم ومساحات كونية كبيرة ,وغياب المحبين عن أعين الحسيب الرقيب ..إنه بمعنى أخر زورق زمني يرمز لمرحلة ولحظة ما قبل الفجر ,قبل استيقاظ الناس وبدء أعين الرقيب ..إنه طلب الاطمئنان الداخلي عند الشاعر ..هذه الصورة الرمزية هي جديدة وفيها عبقرية الخيال والإبداع وثقافته لدى نديم محمد .
بهذه الدقة ,بهذه المشهدية ,بهذه الروعة ,بهذه الصياغة الأسلوبية ,بهذا التقديم المناسب لبناء صوره لتأتي في سياقها فتشكل الومضة ,والإلفات المطلوب,وبرهة التأمل الشعري..بهذا كله بنى نديم محمد هذه الصور الجديدة ,الرمزية والخالدة ..والتي تحتاج القراءة والتأني بجمال رمزيتها .
رحم الله نديم محمد ..وله التحية في ذكرى الرحيل .
توفي نديم محمد بتاريخ 17/1/1994
المحاضر في سطور :
يوسف مصطفى هو واحد من المهتمين بالشأن الثقافي الأدبي والفكري أجرى كثير من الدراسات في قضايا أدبية نقدية وفكرية عامة منشورة في الصحف وبعض الدوريات له ثلاثة كتب هي :
1- في الميزان : وهو قراءة نقدية في نصوص أدبية معاصرة .
2- القاع والمحراث : وهو كسابقه عبارة عن قراءة نقدية لبعض النصوص الأدبية المعاصرة وكلا كلتا بين يركزان في النقد التطبيقي في كشف جماليات النصوص الأدبية وأسلوبيتها ومحمولها الفكري .
3- كتابا على جدار: الزمن العربي إلى وهو قراءة فكرية في قضايا عربية عامة وبعض قضايا النهضة العربية .
وجرى بنا أن نشير إن رسالة السيد المحاضر في مجمل دراساته تتبنى الحديث عن الشعراء المغمورين والذين أسهموا أسهاما جلياً في الشعر العربي المعاصر .
المقال منقول عن موقع مديرية الثقافة في إدلب